(تصميم المناهج وإعدادها)
- مفهوم تصميم وتخطيط المنهج وتطويره.
- مبادئ ومراحل تصميم وتخطيط المناهج الدراسية وتطويرها.
- مداخل بناء المناهج وتطويرها.
- الأسس الفلسفية والنفسية لتصميم المنهج.
مفهوم تصميم وتخطيط المنهج وتطويره
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أكرم الخلق وأشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
تصميم المناهج وتخطيطها وبنائها وإعدادها:
قد اكتسبنا الأسس الرئيسة، والمبادئ المهمة، والعمليات، والمهارات ذات العلاقة التي يمكن أن يستخدمها، وأن يحتاج إليها من يقوم بعملية تصميم المناهج وإعدادها؛ إذ تخضع علمية تصميم وتخطيط المناهج الدراسية، وتطويرها إلى العديد من العوامل، فالفلسفة التي تتبناها لها دور في هذا المجال، والأسس النفسية والسيكولوجية والاجتماعية تقرر إلى حد كبير سمات المنهج الذي نسعى إلى تصميمه، وبنائه، فإذا ما تبنى واضعو المنهج ومخططوه الفلسفة التقليدية التي تركز على بعض المعارف المهمة التي يجب إكسابها للتلاميذ، فإنه من الضروري تبني نموذجًا يجسد هذه الفلسفة، وذلك مثل النموذج المهتم بالأهداف، كما أن هذا يتطلب اتباع إستراتيجية تناسب هذه الفلسفة، وهذا النموذج، وتضعها موضع التنفيذ، وهي الإستراتيجية المركزية.
كذلك الحال لو أن واضع المنهج ومخططه تبنى الفلسفة التقدمية، فلا بد أن يتبنى نموذجًا وإستراتيجية تساعده في تحقيق ذلك، وهنا عليه أن يبنى إستراتيجية اللامركزية.
وبصفة عامة فإن المختصين في تخطيط وتطوير المناهج الدراسية وتصميمها يضعون في الاعتبار دعامتين أساسيتين، وهما: مبادئ وأسس التعلم المستمدة من علم النفس، وخصائص المتعلمين من جهة، ثم النموذج التنظيري الذي يتم تبنيه من جهة أخرى، فمبادئ علم النفس، وخصائص المتعلمين يتم في ضوئها تنظيم محتوى المنهج، وطرق تقديمه للتلاميذ.
أما النموذج التنظيري فيحدد هوية المنهج، وينظم عمليات تنفيذه، ومن هنا فإننا نلقي الضوء على مفهوم تصميم وتخطيط المنهج وتطويره؛ إذ يتوقف نجاح المنهج أو فشله بدرجة كبيرة على تصميمه وتخطيطه وتطويره، فالتصميم الجيد، والتخطيط الدقيق، والتطوير الشامل كلها عوامل تكفل نجاح المنهج.
ويعد تصميم المنهج هو الإطار المرجعي لتخطيط المنهج، وتطويره، فتصميم المنهج يعني: الإطار الفكري الذي يتم فيه وضع تصور لترتيب عناصر المنهج ومشتملاته في كيان واحد متسق، ومتآلف، بحيث يؤدي تنفيذه إلى تحقيق الأهداف المرجوة من المنهج، فتحديد وصياغة الأهداف التعليمية، وتنظيم المحتوى في صورة تبين الخطوات التي يمكن اتباعها أو يتبعها الدارس أثناء دراسة المنهج، ذلك هو جوهر تصميم المنهج، فمصمم المنهج مثله كمثل المهندس المعماري الذي يصمم مبنى معين، وفق رغبات معينة للمالك، وهذا التصميم يتأثر بدرجة كبيرة بالنمط الخاص، والتفضيلات الخاصة بالمصمم، سواء كان مصمم المنهج، أو مصمم المبنى، فالمنتج سواء كان منهجًا أم مبنًى سوف يتأثر بالضرورة بفلسفة المصمم، ومعتقداته، وقيمه، واتجاهاته.
أما مفهوم تخطيط المنهج فهو يشير إلى إعداد خطة مفصلة لبناء المنهج، والتي تتطلب تحديد أهدافه، ومحتواه، وأنشطته، وخبراته، وطرق ومداخل وإستراتيجيات تدريس هذا المنهج، ومواده، وأدواته، ووسائله التي سوف يستخدمها عند تنفيذ المنهج، وكذلك أيضًا وبالضرورة أساليب تقويم المنهج، وطرق متابعته.
ويتم تخطيط المنهج في ضوء تصميم معين يتم الاتفاق عليه مسبقًا، وهو يتحدد عادة في شكل وثيقة، هي وثيقة المنهج في شكل كتاب للمتعلم، ودليل للمعلم.
أما عملية تطوير المنهج، فهي أشمل وأعم من عملتي التصميم والتخطيط، فلذا علينا أن نفرق بين التصميم وبين التخطيط، وكذلك التطوير، فالتطوير -كما ذكرنا الآن- هو أشمل وأكبر وأعم من عملتي التصميم والتخطيط؛ ذلك لأن عملية تطوير المنهج تشمل أسس بناء المنهج، وتنفيذه، ومتابعته، إضافة إلى تصميمه، وتخطيطه، فتطوير المنهج يعني: النمو الشامل للمنهج عبر مراحل معينة منذ أن يكون مجرد فكرة إلى أن يصبح حقيقة واقعة في الميدان، يتم تنفيذه، وتقويمه، ومتابعته.
فتطوير المنهج يشمل تحديد النظرية الفلسفية التي يتبناها مطور المنهج، والنموذج أو النماذج التنظيرية التي يستند عليها، وإستراتيجية التنفيذ التي يعتمد عليها، هل هي مركزية أو لا مركزية؟ فعند تبني نماذج تنظيرية تعكس الفلسفة التقليدية، فإن الاعتماد في تنفيذ المنهج في هذه الحالة يخضع للإستراتيجية المركزية، وعند تبني نماذج تنظيرية تعكس الفلسفة التقدمية، فإن الاعتماد لتنفيذ المنهج يخضع للإستراتيجية اللامركزية، ويتضح من هذا أن تصميم وتخطيط وتطوير المنهج يتأثر بدرجة كبيرة بالتوجهات الفكرية للقائمين بهذه العملية، وبقيمهم، ومعتقداتهم، كما يتأثر بنظرتهم إلى المجتمع.
وهناك متطلبات عامة لعملية تصميم وتخطيط وتطوير المناهج الدراسية، فعند القيام بتصميم وتخطيط المناهج الدراسية وتطويرها
يجب توافر عدة متطلبات عامة يمكن إيجازها فيما يلي:
1- تحديد واختيار النظرية الفلسفية، والنموذج التنظيري الذي يتبناه المنهج، والإستراتيجية التي يتبعها في تنفيذه.
2- تحديد عناصر المنهج التي سيشملها، مثل: الأهداف، والمحتوى، والأنشطة، والخبرات التي نسعى لإكسابها للتلاميذ، ثم تحديد أساليب التقويم المناسبة.
3- تحديد العلاقات التي تربط بين عناصر المنهج المختلفة.
4- تحديد المتطلبات الإدارية المتمثلة في الإجراءات، والظروف اللازمة لتنفيذ المنهج، وتقويمه، وتحسينه.
مبادئ ومراحل تصميم وتخطيط المناهج الدراسية وتطويرها
المبادئ العامة لتصميم المناهج الدراسية:
هناك عدد من المبادئ العامة ينبغي اعتبارها ومراعاتها عند تصميم المناهج الدراسية، منها ما يلي:
1- أن يكون التصميم مرنا بحيث يلبي اهتمامات وحاجات التلاميذ، كما يراعي متطلبات إعدادهم كمواطنين صالحين في المجتمع.
2- أن يكون التصميم شاملًا بحيث يقدم كافة الخبرات الإدراكية، والعاطفية، والاجتماعية، والحركية التي تتطلبها مرحلة نمو التلاميذ، والتي يمكن أن تراعها المدرسة.
3- أن يرتكز التصميم على المشكلات الاجتماعية في المجتمع.
4- أن يتيح التصميم فرصًا لمشاركة فعالة نشطة من جانب التلاميذ في بناء وتطوير المنهج وتنفيذه، وتقويمه، وتحسينه.
5- أن يوضح التصميم نوع ومواصفات عناصر المنهج من أهداف ومحتوى، وأنشطة تعليم وتعلم، وأساليب تقويم.
6- أن يوضح التصميم المقترح نوع العلاقات التي يجب توافرها في عناصر المنهج المختلفة.
7- أن يوضح التصميم المبادئ والمعايير الخاصة بكل خطوة أو مرحلة من مراحل إعداد المنهج، وتنفيذه، وتقويمه، وتحسينه.
8- أن تقوم لجان متخصصة بأعمال بناء وتخطيط وتصميم المنهج.
تلك هي المبادئ العامة لتصميم المناهج الدراسية.
وهناك مصادر لتصميم المنهج، إذ يشير الأدب التربوي لخمسة مصادر أساسية يشتق منها تصميم المنهج الدراسي، وهي: العلم، والمجتمع، والمتعلم، والمعارف، والمعتقدات الدينية؛ فالعلم بعمليات وإجراءاته الدقيقة التي تستخدم في الوصول إلى الحقائق، والتثبت منها يعد مصدرًا من مصادر التصميم، فما يتضمنه المنهج من موضوعات ينبغي أن تكون خاضعة للمشاهدة والقياس، كما أن ما يتضمنه المنهج من مواد دراسية يجب أن ترتبط بالمجتمع ومشكلاته، وتلبي احتياجاته، فلا يمكن تصور مناهج دراسية لا تتعرض لمشكلات، مثل: صحة أفراد المجتمع، وتلوث البيئة، والفضائيات وخطورتها، والمخدرات وأضرارها، واستنزاف الموارد البيئية.
كذلك فمن الضروري التأكيد في محتوى المنهج الدراسي على الهوية الثقافية للمجتمع، وقيمه، ومعتقداته، ولغته القومية والعناية بها، والمتعلم وخصائص نموه، واستعداداته العقلية والمعرفية، ونظريات التعليم والتعلم، وطرق التعليم والتعلم، وطرق ومداخل تنظيم المحتوى، والنشاطات والخبرات التي يمر بها، كل هذا يجب أن يوضع في الاعتبار كمصدر من مصادر تصميم المنهج.
كما أن المعارف الإنسانية المتسارعة في كل مجال من مجالات العلوم المختلفة، والتي أصبح لك مجال فيها أساسيات، أو هياكل معينة، يمكن أن تكون مصدرًا من مصادر تصميم المنهج، فعلى مصمم المنهج أن يضع في حسبانه مساعدة المتعلم الذي سيدرس المنهج على فهم المجال المصمم فيه، وعلى تزويده بالمعارف الوظيفية المناسبة التي تعينه على مواجهة مشكلاته في حياته العملية، وإلا لما أصبح للمعرفة قيمة في حد ذاتها.
كذلك فإن قيم المجتمع معتقداته تعد مصدرًا مهمًّا من مصادر تصميم المنهج، والدعوة إلى فصل الدين عن المؤسسة التعليمية دعوة باطلة، فنحن كمسلمين ندعو إلى تصميم المناهج الدراسية، أي: نحن الأمة الإسلامية ندعو ونؤكد إلى تصميم المناهج الدراسية التي تؤكد على القيم الدينية الإسلامية، وتنميتها، وتحفظ للأمة هويتها وعقيدتها، فلا تعارض بين ديننا وبين العلم، بل إن الدين الإسلامي حث على العلم، ودعا إلى السعي في طلبه، فمن خرج لطلب العلم فهو في سبيل الله.
ولا شك أن عملية تصميم وتخطيط المناهج الدراسية وتطويرها تمر بعدة خطوات ومراحل:
أولى هذه الخطوات: هي تبني نموذج أو أكثر من النماذج الخاصة ببناء المناهج، وحيث إن لكل نموذج عيوبه ومميزاته، فإن على مخططي المنهج الاستفادة من مميزات كل نموذج، فاقتراح النموذج المناسب للبيئة التي يعد المنهج ليطبق فيها، وفي ضوء النظرية الفلسفة التي يؤمن بها المجتمع، في ضوء هذا فإننا نقترح الخطوات التالية لتصميم وتخطيط المناهج الدراسية، والتي استقيناها من العديد من النظريات الفلسفية، والنماذج التنظيرية، ومن الأدبيات التربوية التي تناولت هذا المجال، والتي تتمشى مع النموذج التنظيري لتصميم وتطوير المنهج الدراسي، وتحسنيه، وهذه الخطوات تم اختصارها في تسع خطوات في هذا النموذج المقترح، وهي: خطوات تصميم وتخطيط المناهج الدراسية وتطويرها:
وأولى هذه الخطوات: هو تحديد النظرية والنموذج، والإستراتيجية المتبناة.
أما الخطوة الثانية: هي تحديد حاجات المجتمع، وحاجات التلاميذ.
والخطورة الثالثة: تحديد الأهداف التعليمية.
والخطوة الرابعة: هي اختيار المحتوى.
والخطة الخامسة: هي تنظيم محتوى المنهج.
والخطوة السادسة: هي اختيار نشاطات التعليم والتعلم، وتنظيمها.
والخطوة السابعة: هي تقويم المنهج.
والخطوة الثامنة: هي تنفيذ المنهج، ومتابعته.
والخطوة التاسعة: هي تحسين المنهج، وإعادة تطويره من جديد.
تلك هي الخطوات التسع، وتذخر الأدبيات التربوية بالحديث التفصيلي الشامل عن كل خطوة من هذه الخطوات التسع.
وهناك مداخل جديدة لبناء المناهج، وتصميمها، وتطويرها، فنحن في العصر الحالي نلاحظ أنه مع الثورة العلمية والمعرفية، والثورة التكنولوجية، وثورة الاتصالات، والمعلومات، وثورة المناهج، والمحتوى المعرفي، والتعليمي، فإن ذلك قد أدى إلى ظهور نماذج، ومداخل جديدة لبناء المناهج، وتطويرها، وتصميمها، وإعدادها بالضرورة، وهناك عدة ملامح لبناء المناهج الجديدة في عصرنا الحالي، في عصر تكنولوجيا المعلومات، والاتصالات، وفي عصر المحتوى الإلكتروني والرقمي، في عصر المكتبات الإلكترونية، والنقالة، والمحمولة، في عصر المحتوى الذي يمكن الوصول إليه في أي زمان ومكان،
وذلك بالتغلب على المعوقات والظروف، والاعتبارات المرتبطة بالزمان والمكان، وفيما يلي هذه الملامح:
الملمح الأول الذي يجب أن تبنى عليه مناهج التعليم خلال الألفية الثالثة: هو المزيد من العمق، والقليل من المعالجة السطحية لمحتوى المنهج.
الملمح الثاني: هو التركيز على حل المشكلات التي تتطلب استخدام العديد من إستراتيجيات التعلم.
الملمح الثالث: هو التأكيد على كل من المهارات والمعرفة في جميع موضوعات المنهج.
الملمح الرابع: هو المزيد والمزيد من مواكبة الفروق الفردية بين المتعلمين، ومراعاتها من خلال تنويع الخبرات، والوسائل، والأساليب.
الملمح الخامس: هو التركيز على النقاط المشتركة، وهي الخصائص والاحتياجات لدى جميع المتعلمين.
الملمح التالي: هو المزيد من التناسق التام بين موضوعات المنهج الواحد وبين موضوعات المنهج ككل.
الملمح التالي: هو المزيد من التكامل الانتقائي على مستوى موضوعات المنهج الواحد، وعلى مستوى المناهج المختلفة.
الملمح التالي: هو التأكيد على مفهوم المنهج المتعلم الذي يعني: ضرورة وصول جميع المتعلمين إلى حد التمكن والإتقان من محتوى المنهج المتعلم.
الملمح الأخير: وهو مزيد من الاهتمام بالجوانب الشخصية الوثيقة، مع التوازن بين تلك الجوانب الشخصية والمستقبليات.
ولعلنا نلحظ أن هناك فروقًا بين المناهج القديمة والمناهج الجديدة التي سوف يتم إعدادها، ويتم إعدادها حاليًا في المؤسسات التعليمية العالمية والمحلية التي تأخذ بالاتجاه العالمي، هناك فرق بين المناهج القديمة، والمناهج الجديدة من حيث: عمق التغطية، فالمناهج القديمة كان لها تغطية سطحية، أما المناهج الجديدة، فلها اتجاه وتغطية عميقة للمحتوى، ومكوناته، ومفرداته.
أما من حيث المشكلات فإن المناهج القديمة تركز على مشكلات التفكير بشكل منفصل، أما المناهج الجديدة تركز على مشكلات
واقعية، تنطوي في سياقها على مزيد من إستراتيجيات التعلم.
ومن حيث المهارات والمعرفة، فإن المناهج القديمة تركز على المعرفة وحدها، أما المناهج الجديدة تركز على المهارات والمعرفة في إطار حل المشكلات.
ومن حيث الفروق الفردية، فإن المناهج القديمة تتجاهلها، بينما نجد أن المناهج الجديد تؤكد عليها، وتتبناها، وتعمل على مراعاتها.
أما عن نقاط التلاقي ومسارات المنهج، فإن المناهج القديمة تركز على مسارات المنهج فقط، أما المناهج الجديدة فهي تركز على نقاط التلاقي المشتركة بين جميع المتعلمين، وفيما يرتبط بالتناسق، فإن في المناهج القديمة تناسقًا جزئيًّا، أما في المناهج الجديدة فهناك تناسق تام، وفيما يرتبط بالتكامل، فإن المناهج القديمة بها مواد منفصلة، أما المناهج الجديدة فتعني: تكامل انتقائي تام وواضح ومحدد.
وفيما يرتبط بمحور التركيز، فإن المناهج القديمة كانت تركز على الأنشطة، أما المناهج الجديدة فهي تركز على مخرجات ونتائج العلم، وفيما يرتبط بالموارد، فإن المناهج القديمة كانت تهتم بالحتمية الأكاديمية، أما المناهج الجديدة فهي تهتم وتحقق الحاجات الشخصية الوثيقة، وغيرها من الموارد المستخدمة.
مداخل بناء المناهج وتطويرها
مداخل بناء المناهج وتطويرها:
من أول هذه المداخل في بناء المناهج وتطويرها وتصويرها: المدخل البيئي، وتمثل مناهج التعليم حلقة من ثلاث حلقات تبنى عليها منظومة أي عملية تعليمية، هذه الحلقات هي: المناهج، والمعلمين، والمتعلمين، والدارسين، حيث تتداخل هذه الحلقات الثلاث، وتتفاعل فيما بينها؛ لتحقيق غايات نظام التعليم، وأهدافه لكافة المستويات والمراحل التعليمية، ويأتي المدخل البيئي في مقدمة العديد من المداخل التي نادت بها الحركات الإصلاحية لتطوير التعليم، وإعادة بناء مناهجه؛ لكي تتواكب مع متغيرات العصر الحديث.
وقد ارتبط المدخل البيئي في بدياته بمناهج العلوم؛ لأنها أكثر المناهج ملاءمة من حيث طبيعتها وموضوعاتها لهذا المدخل؛ حيث يمكن تضمين محتوى تلك المناهج العديد من المفاهيم، والقضايا، والمشكلات البيئية، لكن المدخل البيئي لم يتوقف عند حد مناهج العلوم، بل تجاوزها ليربط بينها وبين المناهج الدراسية الأخرى، كالرياضيات، والدراسات الاجتماعية، واللغات، والصحة، والتربية البدنية، والفنون، وغيرها من المناهج الأخرى.
ويمكن الأخذ بالمدخل البيئية في المناهج الدراسية لجميع مراحل التعليم النظامي من خلال عدة طرق، وفيما يلي عرض لذلك:
- من بين هذه الطرق أو الأساليب: مدخل الدمج، والذي يتم عن طريقه إدخال الخبرات البيئية في موضوعات المناهج القائمة:
بمعنى: تدعيم محتوى هذه المناهج بمعلومات ومفاهيم وقضايا ومشكلات بيئية متنوعة، وفقًا لما تتيحه موضوعات كل محتوى، وفي هذا المدخل نرى تفاوتًا واضحًا في إمكانية دمج الخبرات البيئة من منهج دراسي لآخر على حسب كل مجال وتخصصه، فتأخذ مناهج العلوم المرتبة الأولى في هذا الإطار، وهناك مدخل الوحدات الدراسية الذي يتم عن طريقه إدخال الخبرات البيئية في محتوى المناهج الدراسية من خلال إضافة وحدات دراسية قائمة بذاتها، تعالج قضايا البيئة ومشكلاتها.
وهناك المدخل المستقل الذي يتم خلاله معالجة الخبرات البيئية في مناهج، أو مقررات، أو برامج مستقلة قائمة بذاتها، شأنها شأن أية مادة دراسية أخرى، وعند أخذ المدخل البيئي في المناهج الدراسية عمومًا، ينبغي التركيز على عدة أبعاد بيئية، وهي: البعد العام للبيئة، وهي البعد الأخلاقي للبيئة، والبعد الجمالي للبيئة، والبعد الصحي للبيئة، والبعد الغذائي، والبعد الإعلامي للبيئة.
وبصفة عامة فإن بناء مناهج دراسية على ضوء المدخل البيئي لا ينبغي أن يتم بمعزل عن أهداف التربية البيئية، تلك الأهداف التي تتم ترجمتها إلى محتوى يتم بالتالي تضمنيه بتلك المناهج، وعلى ضوء ما جاء في ميثاق بلجراد عام 1975، والمؤتمرات التالية له تبلورت أهداف التربية البيئية في خمسة أهداف وهي: الوعي، والمعرفة، والاتجاهات والقيم، والمهارات، والمشاركة، حيث ينبغي لمحتوى المناهج الدراسية أن يحقق تلك الأهداف، من خلال تضمينها وتدعيمها بخبرات بيئية مناسبة، تشمل المعارف البيئية من معلومات، ومفاهيم، ومبادئ بيئية حول علم البيئة، والنظم البيئية والسكان، والموارد الطبيعة، والتنمية، والطاقة، ومصادرها، وآثارها، والصحراء، والتصحر، والماء ومشكلاته، والتلوث بكافة أنواعه وسبله، والنتائج المترتبة عليه، إلى غير ذلك من موضوعات، ومشكلات، وقضايا البيئة.
أيضًا الوعي بقضايا الإنسان وبيئته وقيمه من خلال تدعيم محتوى المناهج لمعلومات عن تأثر النشطات البشرية بالعلاقة بين الحياة ونوعية البيئة، وكيف يجب أن تكون طبيعة العلاقات بين الإنسان وعناصر بيئته؟ وكذلك استكشاف القضايا والحلول من خلال تضمين المناهج خبرات ومهارات لازمة لتدريب الفرد على اكتشاف قضايا ومشكلات بيئية، واتخاذ القرارات المناسبة حيالها، ووضع بدائل وحلول لحلها، وتقويم النتائج المترتبة على تلك الحلول، وأيضًا أفعال المواطنة، حيث يجب تضمين المناهج خبرات مناسبة؛ لإكساب الفرد القيم البيئية اللازمة، التي ترسم أنماط سلوكه البيئي الصحيح خلال ممارساته اليومية مع البيئة، ومواردها.
وقد اهتمت كثير من الدول العربية بتضمين مناهجها للبعد البيئي، إلا أنها ما زلت إلى حد كبير لديها قصور في ترجمة أهداف التربية البيئية إلى سلوك فاعل في واقع الحياة المعاصرة، كذلك لديها قصور في المهارات التي تفي بالحفاظ على البيئة وتطويرها، وتنمية مواردها، كما أنها لديها قصور عن إكساب المتعلمين القيم البيئية، والخلق البيئي الذي يحكم سلوك الفرد بيئيًّا، ويحمله المسئولية البيئية.
لكننا لو أننا لدينا التحلي بصفات المسلمين والمؤمنين الحقيقة لوجدنا أن الإسلام والقرآن الكريم والسنة النبوية قد تناولت، ولم تغادر صغيرة ولا كبيرة من أبعاد التربية البيئية إلا واهتمت بها، وأشارت إليها، ومن يراجع كتب السنة، والإعجاز العلمي يمكن أن يستنتج ويستخرج كنوز ولآلئ كثيرة، ترتبط بالتربية البيئية في إطار القرآن والسنة المباركة، فعلينا الاستزادة من ذلك بالرجوع إلى المصادر الدينية الأصلية.
- المدخل الثاني من مداخل بناء المناهج وتطويرها وتصميمها: هو مدخل التكامل، أو ما يسمى بمدخل بناء العلوم المتكاملة:
يتداخل مفهوم العلوم المتكاملة مع عدة مصطلحات أخرى، مثل: العلوم المندمجة أو البينية، والعلوم المتحدة، أو الموحدة، حيث تأتي جميع هذه المصطلحات مترادفة على المستوى الإجرائي، ولكن المصطلح الأكثر شيوعًا بين خبراء المناهج الأمريكيين هو العلوم المدمجة، أما المصطلح الأكثر شيوعا في أوربا هو العلوم المتكاملة، وفي دول العالم العربي -ومنها مصر- فإن مصطلح العلوم المتكاملة هو المصطلح الشائع لدى العاملين في مجال المناهج والتعليم، ويعرف التكامل في العلوم: بأنه معالجة العلم بمنطوق وحدة العلوم، ووحدة المشكلات والظواهر الكونية التي يفسرها، فالتكامل هو التجمع في كل موحد، تعالج فيه المفاهيم العلمية بانتظام، وترابط، وتدرج دون التقيد بحدود فروع العلم المنفصلة، وعلى ذلك فإن العلوم المتكاملة هي مناهج ذات منظور شمولي، تتناول المعرفة والخبرات العلمية بشكل موحد متناسق دون فصل بين فروع ومجالات تلك المعرفة، حيث ينبغي لتلك المناهج أن تأخذ بأحد مداخل التكامل.
وتأتي مناهج العلوم في مقدمة المناهج التي أخذت بمبدأ التكامل القائم على المدخل البيئي في إعداد المناهج الدراسية، تلتها مناهج دراسية أخرى، كالدراسات الاجتماعية، والدراسات اللغوية، وغيرها، وإذا كانت مناهج العلوم قد اعتمدت على المدخل البيئي لتكاملها فيما بينها من جهة، وفيما بينها وبين غيرها من المناهج الدراسية من جهة أخرى خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين، فإن هذه المناهج سوف تزداد اندماجًا وتكاملًا مع مناهج أخرى، كالتكنولوجيا، والرياضيات، والعلوم الاجتماعية، وعلوم البيئة، والصحة العامة، وغيرها خلال القرن الحادي والعشرين.
ولا يؤمن مدخل العلوم المتكاملة بالفصل بين العلوم داخل المدرسة والمشكلات الحية خارجها، كما لا يؤمن بالتقسيم المصطنع بين فروع المعرفة المختلفة، والعلوم المتكاملة غالبًا ما تهتم بالمشكلات التي تهم جموع الناس، ومن ثم فهي أكثر انسجامًا مع متطلبات العصر الحاضر.
ويختلف منهج العلوم المتكاملة تمامًا عن المناهج التي كانت وما تزال تطبق في مدارسنا تحت عنوان العلوم العامة، تلك العلوم التي لا تحقق على الرغم من ادعائها التكامل سوى القدر اليسير جدًّا من ذلك التكامل، وتعتمد العلوم المتكاملة في بناء مناهجها على ثمانية مداخل، وهي: المدخل البيئي، ومدخل المفاهيم، ومدخل المشروعات، ومدخل العمليات العقلية، ومدخل التطبيقات العملية، ومدخل التطبيقات العلمية، ومدخل الظواهر الطبيعية، ومدخل المشكلات المعاصرة، ومدخل الموضوعات.
وعند بناء مناهج العلوم المتكاملة يجب مراعاة عدة جوانب وأبعاد، ذلك عند التصميم والإعداد لهذه المناهج المتكاملة،
ومن جوانب وأبعاد التكامل أثناء تصميم تلك العلوم، وتلك المناهج ما يلي:
1- مدى أي مجال أو سعة التكامل:
ويقصد به: عدد الموضوعات، أو المقررات، أو المناهج الدراسية التي يحدث التكامل فيما بينها، وفيما أفادت مداخل التكامل بشكل كبير في توسيع مدى التكامل في مناهج العلوم المتكاملة، حيث تجاوز دمج فروع المادة الواحدة إلى دمج مواد التخصص الواحد في مقررات العلوم، أو الرياضيات مثلًا، أو مقررات العلوم والأنشطة البيئية، والعلوم العامة، ومقررات الأنشطة التربوية، وأخيرًا تم دمج مناهج العلوم مع مناهج دراسية أخرى، كالرياضيات، واللغات، والجغرافيا، والتاريخ، وغيرها من العلوم الإنسانية، والاجتماعية، ويمكن دمج الفقه، وعلوم أصول الفقه، واللغة العربية، والحديث، والتفسير في مدخل ومنهج واحد متكامل كذلك.
2- شدة أو كثافة التكامل:
ويقصد بهذا الجانب: الدرجة، أو المدى الذي تنعدم فيه الحدود بين المواد أو الموضوعات المتكاملة، بمعنى آخر: فإن شدة التكامل تعني: درجة الترابط المنطقي، والتداخل التفاعلي بين موضوعات المنهج المتكامل.
3- عمق التكامل:
ويقصد به: مدى ارتباط موضوعات مناهج التعليم باحتياجات المتعلمين، وقضايا بيئتهم، ومشكلاتهم التي تصادفهم في حياتهم اليومية، كما يقصد بعمق التكامل أيضًا: مدى التداخل بين كافة الخبرات، ونواتج التعلم التي تسعى المناهج المتكاملة إلى تحقيقها من معلومات، ومفاهيم، ومهارات، واتجاهات، وقيم، وأنماط سلوك، ويتيح المدخل التكاملي أيضًا أقصى درجات العمق لمناهج العلوم المتكاملة عندما تتوافر كافة العوامل لتحقيق ذلك.
4- مرونة التكامل:
ويشير هذا الجانب إلى أن المناهج المتكاملة ليست قوالب جامدة، بل لا بد وأن تكون مرنة، تتيح قدرًا من الحرية لمعلمي تلك المناهج ومتعلميها عند تدريسها ودراستها.
ويتوقف مدى مرونة التكامل في مناهج التعليم على مدى خبرة القائمين ببناء تلك المناهج، وتطويرها، ومدى فهمهم لفكرة التأمل، ومدى قناعتهم بها، ويتيح المدخل البيئي قدرًا كبيرًا من المرونة في بناء المناهج المتكاملة، التي تعد من سمات إعداد المناهج، ومن المداخل الجديدة لإعداد وتصميم المناهج في العصر الحاضر.
5- الاندماج البيئي:
ثمة جانب أخرى من أهم جوانب المناهج المتكاملة هو الاندماج البيئي، هذا الذي يعد شرطًا لبناء تلك المناهج، وبصفة عامة فإن المناهج المتكاملة تسهم في تحقيق مجموعة من الأهداف، حيث تتيح فهمًا أعمق للمحتوى لدى كل من الطلاب والمعلمين، والربط بين المؤسسات التعليمية والعالم الخارجي، والربط بين خبرات تلك المناهج ومشكلات البيئة الواقعية، وتعلم الطلاب كيفية حل مشكلات بفاعلية، ونمو خبرة الطلاب في التعبير الذاتي والاعتماد على النفس، وجعل التعلم أكثر متعة، وإثارة، وتشويقًا، وجاذبية للمتعلمين، وإحداث ترابط منطقي وتداخل تفاعلي بين الخبرات العلمية دون تجزيء، أو تكرار، وقد قامت مشروعات عديدة بتوظيف واستخدام المدخل التكاملي أو المناهج المتكاملة كمدخل جديد لبناء المناهج وتصميمها وتطويرها في المرحلة الابتدائية، وفي المرحلة الإعدادية، وفي المرحلة الثانوية في عدة دول، كما قامت مشروعات عالمية في ذلك الصدد أيضًا، كما تم استخدام العلوم المتكاملة للمرحلة الجامعة أيضًا.
- هناك مدخل ثالث، وهو من المداخل الجديدة لبناء المناهج وتطويرها وتصميمها وإعدادها: وهو المدخل الواقعي:
وهو مناهج علوم الواقع، حيث ظهرت علوم الواقع كاتجاه حديث يدعو المناهج المختلفة في جميع المراحل التعليمية إلى مزيد من الارتباط بواقع المتعلم، مع التركيز مع المحيط الاجتماعي للبيئة، حيث بدت الحاجة ماسة لمزيد من ربط مناهج التعليم ببيئة المتعلم، ليس من خلال المحيط الحيوي فقط، بل أيضًا من خلال المحيط الاجتماعي.
وتؤكد التوجهات الحديثة في مجال التعليم على ضرورة تطوير المناهج لكافة المراحل التعليمية؛ كي تصبح أكثر ارتباطًا بالواقع، وذلك من خلال ربط تلك المناهج وموضوعاتها بما يراه الفرد، وما يشاهده، ويتفاعل معه في بيئته أثناء ممارسته اليومية، حيث يجب أن تركز مناهج العلوم في المدخل الواقعي، أو مناهج علوم الواقع على فهم المتعلمين والمعلمين لكل من طبيعة العلم، وتاريخه، وفلسفته، وخصائصه الاجتماعية، كما يجب أن تنمي قدراتهم على فهم قضايا بيئتهم، ومشكلاتها، وكذلك على توظيف وتطبيق ما تعلموه من موضوعات العلم لمواجهة تلك القضايا، وحل تلك المشكلات.
وهناك عند بناء مناهج علوم الواقع انطلاقات ومنطلقات لهذه المناهج؛ إذ تنطلق علوم الواقع من جوانب معرفية وإجرائية، تشمل الجوانب الشخصية، والخصوصية، والجوانب العمومية، والتكنولوجية، والمجتمعية، والثقافية، والتاريخية، وما إلى ذلك.
وعند بناء مناهج علوم الواقع يجب أن تراعي أو تتوافر فيها خمسة معايير أساسية، وهي: أن تتيح للمتعلم ممارسة التفكير عالي الرتبة أو عالي المستوى، وتركز على عمق المعرفة، وذلك من خلال التغلغل والمعالجة العميقة للمعلومات، كما يجب أن تكون أكثر ارتباطًا بالعالم الواقعي والحقيقي الذي يحياه المتعلم، ويواجهه في حياته اليومية، كما يجب أن تتيح حوارًا ومحادثة جوهرية بين المعلم والمتعلم حول قضاياه الواقعية، ومشكلاتهم الحياتية، كما يجب وتتيح وتوفر أيضًا دعمًا اجتماعيًّا لما يقوم المتعلم بإنجازه وعمله.
ويعد مدخل علوم الواقع هذه من المداخل الحديثة التي تناولتها الآن بالبحث والدراسة العديد من البحوث والدراسات ذات الصلة بالمجال.
وهناك مدخل مستقبلي أو مناهج علوم المستقبل، وهو استجابة محاولات المعنيين بالتعليم، وهذا المدخل -وهو مناهج علوم المستقبل- من المداخل الحديثة لبناء المناهج وتصميمها، وتطويرها، وإعدادها؛ إذ يتم تصميم المنهاج في ضوء مناهج علوم المستقبل على عدد من المنطلقات، من بين تلك المنطلقات: التقدم التكنولوجي الهائل الذي ساعد في ارتياد أفاق جديدة من العلوم لم يكن للبشر عهد به، ولم يكن لهم الوصول إليها من قبل ظهور مفهوم علوم المستقبل، وعلوم المستقبل هي تلك العلوم التي تتناول مجالات، وموضوعات، وقضايا علمية وتكنولوجية حديثة، أو مستحدثة، ويكون لها تأثير كبير على الأفراد، والبيئات، والمجتمعات في المستقبل القريب، أو على المدى البعيد، ومن ثم فإن تلك العلوم تستهدف استشراف ما هو متوقع مستقبلًا في ضوء ما هو قائم حاليًا.
وعلى ذلك فإن هذه العلوم متغيرة بتغير الزمن، فما نراه مستقبليًّا اليوم قد يكون واقعيًّا في الغد، وهكذا، ولعلنا نلحظ أن ارتياد الفضاء، وانطلاق الأقمار الصناعية، ومكوكات الفضاء، وحرب الكواكب، وغيرها مما هو مرتبط بعلم الفضاء، وكذلك الأبحاث المرتبطة بالجيولوجيا والأرض، وكذلك الأبحاث الخاصة بتكنولوجيا التعليم، والمعلومات، ومستحدثات تكنولوجيا الاتصالات، والمعلومات، كل هذه العلوم كانت يومًا من الأيام من علوم المستقبل، ثم أمست اليوم هي من علوم الواقع، وهكذا؛ ولذلك فإن علينا أن ننتقل، وأن نطلق بقوة نحو مناهج المستقبل؛ باعتبارها افتراضات وابتكارات واختراعات يمكن التوصل إليها، وتحقيقها واقعيًّا بعد ذلك.
الأسس الفلسفية والنفسية لتصميم المنهج
ومن أسس بناء المنهج، وتطويره، وتصميمه: الأسس الفلسفية والنفيسة لتصميم المنهج، وهذه الأسس الفلسفية والنفسية يمكن ذكرها بإيجاز فيما يلي:
أولًا: فلسفة تربية، حيث ينبغي أن يتم اتباع الأصول الفلسفية للتربية أثناء بناء المنهج وتطويره وتصميمه؛ حيث تطلق الأدبيات على هذا الجانب الأسس الفلسفية لبناء المنهج أو بناء المناهج، ولعل المتتبع لتاريخ علم التربية وتطوره يلمس ظهور العديد من الفلسفات التي عبرت عنها مدارس فكرية، وجهت مسار التربية في المجتمعات التي تبنت توجهات تلك المدارس، وفي هذا الإطار هناك أربع مدارس فلسفية يمكن الحديث عنها بإيجاز، وهي: مدرسة الفلسفة الموسوعية، وتركز على أهمية المعرفة في جميع المجالات، وعلى أصولها المنهجية، كما توجد في كل مجال، وكذلك على إدراك العلاقات الكلية بين هذه المجالات، وانعكاس ذلك على مناهج التعليم العام، يتمثل في الاهتمام بتصنيف تلك المناهج لفروع المعرفة العلمية والأدبية المختلفة، وتركيز هذه المناهج على أكبر قدر من المعرفة وتقدير العلاقات بين فروعها، وعند بناء تلك المناهج -أي: المناهج الجديدة- وتصميمها وفقا لمبادئ تلك الفلسفة، يجب أن تظهر تلك المبادئ جلية في جميع مكونات المنهج، بداية من الأهداف، ومرورًا بالمحتوى والطرق والوسائل والأنشطة، وأخيرًا أساليب التقويم ووسائله.
وهناك مدرسة ثانية، وهي: مدرسة الفلسفة الأساسية، وتركز على وجود قدر من المعارف، والاتجاهات، والمهارات الأساسية التي يجب أن يتعلمها جميع التلاميذ في مجتمع معين؛ ذلك بهدف حفظ التراث الثقافي، ونقله عبر الأجيال، وفي إطار تلك المدرسة يجب أن تشمل مناهج التعليم هذه المهارات الأساسية، ويجب أن يتعلمها جميع التلاميذ.
وهناك مدرسة الفلسفة التقدمية، ومن أهم الأسس التي قامت عليها هذه المدرسة: معارضتها لأن يكون نقل التراث الثقافي هو العنصر الرئيسي في العملية التربوية، ومعارضتها إرغام التلاميذ على تعلم أشياء قد لا يرغبون في تعلمها، وقد تمثل تأثير هذه المدرسة على مناهج التعليم العالي في مرونة هذه المناهج، واهتمامها بمشاركة المتعلمين، وأنشطتهم الذاتية.
وهناك مدرسة الفلسفة البلوتكنيكية، ومحور هذه المدرسة: الربط بين النظرية والتطبيق، وبين العلم والتكنولوجيا، وهي تعد التلاميذ من أجل المشاركة الفعلية في كافة الأنشطة الإنتاجية؛ ولذلك فإن مناهج التعليم في ظل هذه المدرسة تعتمد على الربط بين التعلم والعمل الإنتاجي، وممارسة هذا العمل، والتدريب عليه في المؤسسات الإنتاجية الفعلية.
كما أن علم النفس التعليمي ونظريات التعليم والتعلم كلها من الأسس النفسية التي ينبغي أن يتم اعتبارها عند تصميم المناهج وإعدادها.
وهناك أمور ترتبط بالمتعلم، وخصائصه، وحاجاته، وميوله، واهتماماته، ينبغي أخذها في الاعتبار، كما أنه ينبغي التركيز بالضرورة على الفروق الفردية بين المتعلمين، وعلى عملية البعد عن التوترات والقلق النفسي لدى المتعلم تجاه المادة، فلا يمكن أن نتصور بناء أي منهج دراسي مدرسي بعيدًا عن خصائص المتعلم وحاجاته، ولما كان المتعلم يحيا في بيئة متغيرة تمثل جزءًا من مجتمعه المستمر في التغيير، فالمجتمع بالطبيعة مستمر في التغيير، فإن هذا المتعلم هو الآخر متغير في خصائصه، وحاجاته، فتلميذ اليوم مثلًا يختلف اختلافًا كبيرًا عن تلميذ الأمس، وفحوى هذا الاختلاف في الميول، والحاجات، والمشكلات، والقدرات، والاستعدادات، الاتجاهات، والآمال، والطموحات، وما إلى ذلك.
وهناك مراحل خاصة بالمتعلم ينبغي اعتبارها، من بينها: استمرارية النمو وتدرجه؛ إذ ينمو المتعلم بشكل مستمر خلال مراحل النمو المختلفة، وتكاملية النمو، حيث ينمو الفرد بشكل متكامل من خلال التفاعل بين النمو في جوانبه الجسيمة، وجوانبه العقلية، والاجتماعية، والانفعالية، وفردية النمو إذ لا تسير مظاهر النمو بسرعة واحدة لدى جميع الأفراد، فهناك تفاوت في النمو بين الأفراد، فهي تختلف من فرد لآخر، ويرجع ذلك لعوامل عديدة، منها ما هو متعلق بالفرد ذاته، ومنها ما هو متعلق بالمؤثرات الخارجية التي تحيط بهذا الفرد، ولا توجد الفروق والاختلافات بين الأفراد وحسب، بل أيضًا في الفرد الواحد، فعند بناء المناهج الدراسية ينبغي الانطلاق من الفروق الفردية بين المتعلمين بأن يكون المنهج متنوعًا في مستوى خبراته، وأنشطته بما يقابل تلك الفروق الفردية بين المتعلمين، وتفضيلاتهم، وحاجاتهم التعليمية، والمعرفية، كذلك الأمر عند تطوير المناهج لا بد من مراعاة مدى التغير الذي طرأ على سمات المتعلمين، ومدى الفروق والاختلافات بينهم، هذا ويجب بناء المناهج وتطويرها بحيث تراعي الفروق بين مظاهر النمو المختلفة في الفرد المتعلم الواحد، وذلك من خلال تعدد الأنشطة وتكاملها بشكل يساعد على نمو الجوانب المتأخرة في المتعلم.
هذا؛ وبالله التوفيق. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
منقول للفائدة



أعلن هنا
هناك تعليق واحد:
ABO JasmInE أبو مغنم تجربة تعليق
الأبتساماتأخفاء الأبتسامات